صباح الانباري

وحديــــــث عن مســـــرحه

  اجرى الحوار مؤيد سامي

 صباح الانباري كاتب مسرحي وناقد وفنان يتميز دائما بجديته واحترامه لعمله وعنايته به وربما لذلك استطاع ان يصمد ويستمر على الرغم من كل الظروف الصعبة التي مرت به خصوصا وبنا عموما .. ظل واضحا وثابتا على مواقعه لم يزحزحه عنها خوف ولا جوع .. صباح الانباري من الأسماء النظيفة التي ظلت تسطع في سماء الثقافة العراقية التي خيم عليها ظلام العهد البائد .. في اللقاء الآتي سنحاول تسليط الضوء عليه .. أعماله آراءه ومشاريعه .. ومواقعه في هذه الظروف العصيبة ..

   قد تكون البداية تقليدية ولكن ما هي الثوابت الفلسفية التي ينطلق منها الانباري في حياته .. أدبه .. مسرحه ؟ اقصد ما هي فلسفتك في الحياة ؟

ـ في أي ظرف يكون فيه الواقع محكوما بالاضطرابات و التبدلات ، ويتعرض بناؤه لخلخة اجتماعية واقتصادية وسياسية جراء التطور الناجز في ذلك الظرف ، سلبا أو إيجابا ، فان الكثير من الثوابت تكون عرضة للتغيير على وفق المنجز من تلك التطورات التي تتصف ، في الأعم الأغلب ، بمرحلية تفرض محدداتها الجديدة على مرافق ذلك الواقع الحيوية مغيرة ومزعزعة ثوابتها . بمعنى آخر ان لكل مرحلة ثوابت ومتغيرات ، وان الحياة بأوسع معانيها تعني  التغير ، وان الكمال ، فيها يعني كثرة التغير ، وهذه العملية ، بحد ذاتها ، تقوم على أساس انقلاب الثوابت بعضها على بعض في  حركة دائبة طاردة للقيم التي تم استهلاكها مرحليا .

ان فلسفتي في الحياة تتشكل على هذه الأسس الدرامية التي اعتمدتها نصوصي الأدبية كمنطقات وموجهات لتحقيق غاية عليا في ذاتي المتغيرة على الدوام.

* نستطيع ان نقول ان مسرح الانباري يقوم على مسرح الصراع . فهناك دائما صراع في كل مسرحك .. ما هي دلالة ذلك برأيك ؟

 ـ لقد توصلنا الى ان الصراع عامل حاسم في الحياة فلا شئ ثابت أو ساكن فيها الى النهاية حتى الحجر الجلمود نجد في داخله حركة لجزيئاته ، بمرور الوقت تكون مؤثرة وفاعلة ومغيرة في صورته الحالية . إن الأعمال الأدبية كلها تقوم على هذه الحركة وإن المسرح أكثرها تمثيلا لهذه الحركة فكما يتجلى الصراع ، في الحياة الطبيعية ، كل لحظة من لحظات الزمن يتجلى أيضا على خشبة المسرح أو داخل النصوص الدرامية . فهو إذن عنصر أساس من عناصر الدراما ، وان الدراما لا يمكن ان تقوم إلا عليه فلا دراما بلا صراع ..وقد قلنا مرة ، إن بإمكان  الكاتب المسرحي أن يلغي الشخصية كعنصر درامي في عمله ولكنه لا يستطيع ذلك مع الصراع ، وهنا دعني اضرب لك مثلا إحدى مسرحياتي التي يسيل الدم فيها زاحفا من الخشبة الى صالة العرض وتراجع المشاهدين وتقهقرهم خوفا من تلطخهم به .أو ارتفاع الزعيق والنباح والعواء على خشبة المسرح ثم انتقاله بواسطة أجهزة الصوت المربوطة داخل القاعة على التوالي بطريقة تجعلهم يغادرون الصالة بانزعاج صفا بعد صف فإذا اتفقنا ان المسرح بشكل عام يقوم على الصراع فلا حاجة بنا الى تخصيص حالاته المختلفة على مسرحياتي دون غيرها واسمح لي هنا ان أقوم بتصحيح متواضع مفاده ان في مسرحياتي كلها صراع عنيف  اشد عنفا وتأثيرا على مجريات الأحداث مما هو في المسرحيات الأخرى وهذا متأت بطبيعة الحال من واقعنا الكابوسي المر والدموي في أغلب الأحيان .

*خضت في مجال الكتابة المسرحية تجربة تستطيع أن تقول عنها مبتكرة . وهي كتابة نص مسرحي صامت .. في كتابك"طقوس صامتة" ترى ما هي النتائج التي تتوقعها لمثل هذه التجربة ؟

ـ أنت تعرف أنني قمت بمحاولات تجنيسية حولت النص الصامت من سيناريو متخصص فنيا وعمليا بخشبة المسرح الى نص مقروء من الناحية الأدبية لتسهيل مهمة تلقيه في  حالتي العرض والقراءة كما هو شأن المسرحيات الصائتة ..إلا ان النقد المسرحي لم يتناول هذه التجربة بشكل واسع . وما تناوله منها اقتصر على استعراض النصوص حسب . ومع ان ثلاث مسرحيات من مسرحياتي الصامتة قدمت في بعقوبة ، من قبل فرقة مسرح بعقوبة ، وفي بغداد ، من قبل معهد الفنون الجميلة ، وفي بابل ، من قبل رابطة المسرحيين الشباب ، إلا ان النتائج ما تزال دون الطموح . والمشكلة تكمن بالدرجة الأساس في عدم وجود فرقة متخصصة بالتمثيل الصامت . وما شاهدتموه في الآونة الأخيرة تحت عنوان "نار من السماء" لم تكن مسرحية صامتة بل رقصا دراميا استخدم التمثيل الصامت لغرض دعم فكرة العرض وإيصال ما عجز الرقص الدرامي عن إيصاله لجمهور النظارة وقد شاهدت قبل عام من الآن تجربة مماثلة في دمشق تحت عنوان"مخطوطة يومية". هذه النشاطات لا يمكن عدها ضمن نشاطات التمثل الصامت ، وعلى الرغم من قلة النشاطات في هذا الاختصاص إلا أنني مازلت متفائلا جدا بمستقبل المسرح الصامت وبسيادة هذا الجنس مسرحيا والمسالة في النهاية هي مسالة وقت ليس إلا .

   نحن الآن بين عهدين ترى ماذا تتوقع للمسرح في العهد الجديد وهل يستطيع ان يتخلص من ارثه الثقيل من القمع والتشريد والإقصاء ؟

- لقد وضعتنا في الموضع السليم . نحن الآن بين عهديهن . عهد ولى وولت معه بعض تركاته الثقيلة وعهد جديد لم نخبره بعد . إننا الآن ، كمسرحيين ، نحاول تهيئة الظروف الملائمة لتقديم عروض عراقية رصينة تأليفا وإخراجا وتمثيلا . وحلمنا ما زال قائما بتشييد المسارح المتكاملة في كل مدن العراق أسوة بالعاصمة كي يستطيع هذا الفن الرائع من إيصال الثقافة الى الجميع وشرط الثقافة هنا كفيل بإزالة ما تبقى من تركات العهد المباد .

      تقدم قراءتك النقدية على العموم رأيا متوازنا وموضوعيا .. ترى ماذا يشكل النقد في مسيرتك الإبداعية ؟    

ـ يقولون ان المرأة نصف الرجل ، وان اكمل صورة لهما مأخوذة من اندماج عنصري الفحولة والأنثوية . نصوصي المسرحية الصامتة و الصائتة تشكل بمجموعها نصفي الأنثوي بينما تشكل قراءاتي النقدية نصفي الذكوري الذي يروم الإعلان عن فحولته بين آونة وأخرى . ولك ان تعرف يا سيدي أنني أحاول ، على الدوام خلق الظروف الملائمة لمزيد من الاندماج  بين هذين العنصرين كي أشكل بذلك شخصيتي الأدبية التي أريد .

   أنت ذو مواهب متعددة أحدها التصوير الفوتوغرافي أود هنا ان اقدم لك التهنئة بمناسبة فوزك برئاسة جمعية المصورين في بعقوبة واطلب منك صورة لهذا اللقاء . الصورة الفوتوغرافية تبدو لي نوعا ما كأنها مرحلة وسط بين الكتابة والمسرح ما رأيك ؟

ـ مشوار الكتابة ، على الرغم مما يحققه لي من لذة عظيمة مشوار طويل ومرهق . والمسرح ، على الرغم مما يوفره لي من قدرات كبيرة لاثبات الذات فانه لا يقل عن الأجناس الأدبية والفنية الأخرى تعبا وإرهاقا . وبين هذه المشاوير المتعبة لا بد من وجود محطة أو محطات للاستراحة . التصوير الفوتوغرافي هو محطة استراحتي على طريق الإبداع ، وهو همزة الوصل ما بين ظروفي المعيشية ومقتضيات الكتابة .

   حاوره ـ مؤيد سامي 

           نشر في:

- صحيفة الدستورـ العدد 102 ـ التأريخ 1/12/2003 بغداد

                - صحيفة الصباح ـ العدد 163 ـ التأريخ 12/1/2004 بغداد